حوار …. (5)
كتبهاصادق الحمداني ، في 27 مايو 2009 الساعة: 13:41 م
هل أنت من النوع الذي يكتم ويكبت الغضب مثلا حتى يتفجر مرة واحدة ؟ … أم تتصرف حسب الموقف وتنسى في وقت لاحق؟
في الحقيقة لستُ أدري أذاك كتمانٌ أم تصرفٌ و حِنكة ؟ إلا أني أعلم أني أقاتلُ غضبي ، و أحاول أن أتمالك أعصابي ، و لأني كثيراً ما أبحثُ للناسِ أعذار عن أشياء فعلوها ، فلا ألوم فلان على عدم إعطاءه في حين أعطيه إن ضعف حالهُ مادياً ، و لا أعاتب شخص على غدرهِ لي إن غدرتُ به يوماً ؛ و بناءً على ذلك فحالاتُ غضبي نادرة .
- ما هي الصفات الي تحبها في الشاب ، وإلى أي مدى أنت منها ؟
يعجبني في الفتى شجاعتهُ و جرأته ، و إن كانا قبيحان بنسبة لي إن كان صاحبهما جاهلاً غير عاقل ، لا يفقهُ في أي المواضع وجب أن يتقدم شجاعاً ، و لا في أي المواقف وجب أن يصرخُ جريئاً ، و لا ينتهي القبحُ عند وجود العقل العاقل فقط بل يهمني أيضاً أن يُربط العقلُ الذكي بقلبٍ عاطفي ؛ و يعجبني أيضاً في الفتى شهامتهُ و نخوته ، و عزةُ نفسهِ و كبرياءه ، و لا يعجبني فيهِ قسوته و غلظته ، و أحبُ فيهِ أن يكون حليماً رحيما ، و لكنهُ إن مسهُ الشرُ أو جس أحدهم كبرياءه و كرامته كان عنيفاً شديداً .
و أما عن مدى ما أكون مما ذكرت ، أو ما وجه الشبه بيني و بين ما يعجبني في الشاب ، هو أني يعجبني في نفسي أنها رفضت أن تصاحب أي صاحب ، و اختارت لنفسها من قدّرها و احترمها ، و أجلها و عرف قدرها ، فما أهانها و لا ذلها ، و يعجبني في نفسي أنها رحيمةٌ لا تقسو و لا تنوي الشر لأحد ؛ و أكرهُ ما أكرهه في نفسي هو خوفها و خجلها و تراجعها عن أمورٍ كان يجب أن تكون الخطوة فيها للأمام فقط .
أقولُ ذلك و لا يعني أنهُ لا يعجبني في الفتى صفاتٌ جميلة غير ما ذكرت ، إنما ما حلا في عيناي رؤياه ، و ما شد القلبُ لذكراه ، هو ما ذكرت من صفات .
- سؤال تريد أن يسألك أحد اياه … وما الجواب ؟
ما هو سبب حبك للحزن ؟ .
مازلتُ أرى رغم سعادتي هذه الأيام أن الدموع مظهرُ الرحمة في نفوس الباكين ؛ فلما أحببتُ الرحمة أحببتُ الدموع لحبها ، و كأنما كنتُ أرى أن الحياة مواطنُ بؤسٍ و شقاء و وجعٍ و الآلام ، و أن الباكين هم أصدقُ الناسِ حديثاً عنها ، و تصوراً لها ، فلما أحببتُ الصدق أحببتُ البكاء لأجله ، أو كأنما كنتُ أرى أن بيني و بين أولئك البائسين شبهاً قريباً و سبباً متصلاً ؛ فأنستُ بهم و طربتُ بنواحهم طرب المحبِ بنوح الحمائم ، أو كأنما كنتُ بحاجة أن أرى دموع تخفف عليّ ما أنا فيه ، فلما بكى الباكون و بكيتُ لبكائهم وجدتُ في مدامعهم شفاء نفسي و سكون لوعتي ؛ او كأنما كنتُ أرى جمالاً في الشعر ، و الشعرُ عندي هو تفجر الدموع من مآقيها و محاجرها .
و ما أسعد قلبي أيام ما كان يرى الدنيا جميلةً خلابة ، أيام ما كان القلبُ يرسمُ الحياة بريشة التخيلات و قلم الأمنيات ، فما استفقتُ من تلك الحالة إلا و يدي صفرٌ منها ، و إذا أنا بين يدي العالم المظلم ، عالم الواقع المؤلم ، و نظرتُ إليه نظر الغريب الحائر في بلدٍ لا عهد لهُ بها و لا سكن لهُ فيه ، فرأيتُ قتال الناسِ فيهِ على الذرة و الحبة ، و رأيتُ القوي يبطشُ بدم الضعيف ، و فقر القلوب من الرحمة ، و جمود العيون عن البكاء ، و عجز الفقراء عن نيل فتات من الأغنياء ، و رأيتُ التفاخر بالرذيلة حتى رأيتُ من ادعاها لنفسه من لا يتخلق بها طلباً لرضا الناس ، و رأيتُ المتخلق بالفضيلةِ مجرمٌ في نظر الناس ، ففر بوجهه عن الساخرين و الناقمين فرار العاري من فضيحة ، فما زال على حاله وحيداً لا صاحب له حتى ضاقت عليهِ الفضيلة فتركها ، و رأيتُ الدين يُرمى بسهامٍ مسمومة فصار الناسُ حولهُ ضائعين يتقاتلون جهلاً و كأنهم عربُ الجاهليةِ ما قبل قرونٍ من الإسلام لا كأنهم عربُ الإسلام ما بعد قرونٍ منه .
و لأني وجدتُ أن الفاضلين في الدنيا محزونين ، عشقتُ الحزن عشقاً للفضيلة .
- هل فكرت يوما جديا بالموت ؟ …
أنا رجلٌ يخافُ الموت و إن تمناهُ في بعض ما فات من أيامه ، إلا أني حقيقةً إنسانٌ يحب الحياة رغم كل ما فيها من مرٍ و وجع ، رغم لونها الأسود السائد فيها ، إلا أني أحبُ جميع الألوان حتى اللون الأسود ؛ و إن كان السببُ الرئيسي لخوفي من الموت هو أني ما استعددتُ له جيداً أو قل لم أستعد ، فكيف بي إن فارقتُ الدنيا راحلاً إلى الآخرة و يداي منها صفرٌ أو تحت الصفر بعشرين ، ما حالي إن صرتُ في ظلمة القبرِ من بعد ظلمةِ الدهرِ… لستُ أدري .. لستُ أدري … و أنا أمضي من الدنيا و ما زينتُ قبري ، و ما أطعتُ الله في تدبيرِ أمري .
اعفيني من الحديث عن الموت .. ففيهِ ما يُوجعني
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : الحياة | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


























