الحَسْنَاءْ الضَائِعةْ
كتبهاصادق الحمداني ، في 13 سبتمبر 2009 الساعة: 20:33 م
لا أزالُ أصحو كل يومٍ فألتفتُ حولي يمنةً و يسرى ؛ إلى الغربِ تارة و إلى الشرقِ تارة ؛ لعل عيني تقعُ على فضيلةٍ هنا أو هناك ؛ فيبتسمُ قلبي و تسعدُ روحي سعادة الغواص باللؤلؤة الموجودةِ في جوف المحيط ؛ فزوايا الدنيا صارت رذيلة .. كل زاويةٍ تحوي رذيلةً غير الأخرى ؛ رذيلةٌ في رذيلة ؛ و العينُ لم تعد ترى أي مناظرٍ جميلة .
و بحثتُ الفضيلة في كل مكانٍ يُعتقد أنها موجودةٌ فيه ؛ فما أثمر البحث عن شيء ؛ فويح نفسي إن لم أجدها في أماكنها و منازلها فبأي الأماكن أجدها ؟ ، و بأي الدور ألقاها ؟ ؛ أفي الحانات و أماكن الشرب و الفسق ؟! ، أم ما بين السجون ؟! .
بحثتُ الفضيلة ما بين الأغنياء علني أجدها ، فوجدتُ طماعاً لا يشبع ؛ يتمنى الألف فإن أتاهُ الألف تمنى ألفان ؛ و لا يأتيهُ الألفان إلا و تمنى أربع ، و لا أحسبهُ يقنعُ أو يشبع ؛ فحالهُ كمثل من أصابتهُ دودةٌ في بطنه تأكلُ منهُ كل ما يأكل ، فلا هو آكلٌ شابع و لا هو ساعدٌ قانع ؛ و رأيتُ آخراً متلافاً يشتري كل ما لا يلزمه ؛ و يبعثرُ الأموال في الحانات على تلك و هاتيك ؛ و يصبُ الأوراق النقدية كالأمطار على الراقصات .
بحثتُ الفضيلة ما بين القصور الشماخ فلم أرى غير رجلٍ يقفُ في شرفة القصر يُمتعُ نظرهُ برؤية الفلاح يفلحُ أرضه ، و المزارع يسقي شجره ؛ و كأنما هو يشاهدُ مسرحاً تمثيلياً لا منظراً حياً .
و ما بين العمال رأيتُ عجوزاً … يضربُ الفأس في الأرض مرة و يمسحُ العرق من جبينهِ مرة ؛ و إذا ما مر بهِ ابنُ ربِّ عملهِ ارتجف خوفاً مخافة أن يمد اليد لهُ متسخةً فيعاقب ، و مخافة أن لا يمدها خوفاً فيعاتب .
بحثتُ الفضيلة ما بين التجار فلم أرى غير مرتشٍ و راش ؛ و مغشوشٍ و غشاش ؛ و رجلٌ يبيعُ السلعة بسعر الألماس و هي بسعر النحاس ؛ و رأيتُ الغني منهم جمع المال حراماً ، و الفقير منهم جمع المال حلالا ؛ و ترى أغنى الأغنياء جمعوا المال في ثلاث … أحدهم بنساء و آخر بسم الأبيض و آخر بسلاح .
بحثتُ الفضيلة في أكواخ الفقراء ، فرأيتُ المنافق و الحاسد ، و المتملق و الحاقد ؛ و رأيتُ المتمصلح لا يهمهُ أن يبيع ضميرهُ و ذمتهُ و شرفه في سبيل أن ينال لقمة عيشه ، و لو أنهُ علم أن أسفل حذاءِ غنيٍ درهم لقبل القدم لتنزاح عن الدرهم ؛ و رأيتُ المتملق يتلون بألوانٍ عدة ، فإن لزم الأمرُ أن يكون كلباً كان ، و إن لزم أن يكون ذئباً كان … في سبيل أن يبلغ منزلة الود في قلب الأمير .
بحثتُ الفضيلة ما بين الأصحاب ، فرأيتُ الغيبة و النميمة ؛ و رأيتُ الصاحب يبيعُ صاحبهُ من أجل المصالح ؛ و رأيتُ تعاون الصديق مع الصديق على الصديق ؛ و رأيتُ الغني لا يصاحبُ إلا الغني و إن صاحبهُ فما صاحبهُ إلا ليذلهُ و يستعبده ، و لو تقدم لهُ هذا الصديقُ طالباً اختهُ لزواج لرماهُ عرض الحائط ؛ و رأيتُ أنهُ لا يصاحبُ الفقيرُ غنياً إلا ليبحث بين طيات ثروته على لقمةٍ يسدُ بها جوعهُ و جوع أهله .
و بحثتُ الفضيلة بين الأزواج ؛ فرأيتُ زوجةً تشقى و تكدح ، و زوجٌ يلهو و يمرح ؛ و فتاةٌ تنتظرُ غياب زوجها لتلهو مع عشيقها ؛ و أخرى ترى أن زواج زوجها عليها أكبرُ جرماً من أن يزني ؛ و زوجٌ يرى فتيات الحانة أكثر مما يرى أولاده ، و يصرفُ على العاهرات أضعاف ما يصرفهُ على أبناءه ؛ و في الوقت ذاته يودُ من إبنهِ أن يكون رجلاً صالحاً ، و يعاتبُ ابنتهُ على إبتسامةٍ بريئةٍ تهديها لرجل .
بحثتُ الفضيلة في مجامع السياسة فرأيتُ أن المعاهدة و الاتفاق ؛ و القاعدة و الميثاق ؛ هم مرادفاتٌ معناها الكذب ؛ و رأيتُ أن الملك يجلسُ على الكرسي فيربطهُ ربطاً بعباءته ؛ و يغيرُ في دولته ما يغير ، و لا أدري لم لنفسهِ لا يغير ؟! ؛ و رأيتُ أن أشد عدوٍ على الإنسان هو الإنسان ؛ و أن كل بلدٍ قد أعدت لأختها سفناً و طائراتٍ تعدُ عدتها للحرب عليها ؛ فإذا ما بدأت الحربُ قتل الأبنُ الأب ، و ذبح الأبُ البنت .
بحثتُ الفضيلة ما بين رجال الدين و رجال الصحف ؛ فرأيتُ أنهما يتاجران بالعقول في أسواق الجهل ؛ و أنهم يتخذون من العقول ألعاباً يحركونها و يهزونها ؛ و يجعلون البلد ساحة شطرنج ؛ يحركون القطع بها شمالاً مرة و جنوباً مرة فلا يلبثُ البلدُ بضع سنين حتى قاتل كلٌ منهم الثاني فأفنى الآخر ، و بقى الملكُ في رقعة اللعبة مشتملاً بعباءته .
بحثتُ الفضيلة بحثاً ضاقت بهِ نفسي ، و ذبلت بهِ روحي ، و ربما تقولون أني أبالغُ فيما أقولُ و أمضي في حروفي إلى المغالاة لا إلى الحقيقة ؛ و أدري أنهُ ما زال في الناس الفاضلين الشرفاء ، و العادلين النبلاء ؛ و لكني أجهلُ في أي الأماكن أجدهم ، و بأي الطرقِ أعرفهم ؛ و كيف أتبينهم و قد انتشر الرياءُ بين الناس و صار التصنعُ طبيعةً من طبائع البشر ؟! ؛ يُخفي النفوس ، و يُظهر الشريف في زي اللص .
فإن رأى أحدكم فضيلةً فهلا أتى لي و أخبرني ؟! ، لأني أصبحتُ كحال مدمنين الأفيون … لا ترتاحُ نفسي إلا حينُ أشتمُ ريحها .. و أضعُ جمالها الأبيض في عروقي و دمي … و استنشقها كما يستنشقُ العاشقُ رحيق الوردة ، و أستروحُ منها كما يستروح يعقوبُ من قميص يوسف .
فمن منا يصدقُ في قولهِ و كلامه و تطابق أفعالهُ أقواله ؟! ؛ و من منا يمدُ اليد كرماً من دون أن ينتظر شكراً أو حتى ثناءً و لا يمنُ على الشخص العطية التي أعطاها له ؟! ؛ من منا من هو نفسهُ عزيزةٌ عليه لا يمدُ يده كالمتسولين و لا يطلبُ من أحدٍ طلباً حتى لو مات جوعاً ؟! ؛ من منا يرسمُ البسمة في شفاه الفقراء و الأشقياء هكذا بخفية من دون أن يعلم أحدٌ بما فعل ؟! فهو يفعلُ الخير لأنهُ خير ، و هل هناك أجملُ من أن نفعل الخير لأنهُ خير ؟! و نترك الشر لأنه شر ؛ من منا كان صديقاً صدوقاً في داخلهِ قبل أن يكون لهُ صديق ؟! ؛ و من منا لا يبالي أن يحترق في الشارع من أجل ينير لناس الطريق ؟! ؛ من منا يمسحُ على رؤوس الأيتام كما لو أنهُ يمسحُ على رؤوسِ أولاده ؟! ؛ من منا نحنُ الرجال من يقبل أن يتزوج فتاةً زلت قدماها في هوى الرذيلة ثم تابت إلى الله توبةً صادقة ؟! ؛ من منا من آثر لأخيه قطعة خبزٍ و هو جائع ؟! ؛ من منا من مشى في الليل ما بين البيوت يبحثُ عن أنينٍ يزيله و عن دمعٍ يمسحه ؟! ؛ من منا من يعاملُ فقراء الناس و يقابلهم كما يقابلُ أقرانهُ و أصحابه ؟! ؛ من منا و من منا و من منا و آهٍ منا … و ما أقبحنا ما أقبحنا .
ربما تكون الفضيلةُ خلف ظهورنا و لكنا لا نبصرها ؛ و ربما من حقنا أن نعمى عن رؤيتها ، فحينما تتعودُ أعيننا على السواد من حولنا فأينما نديرُ أعيننا نرى سواداً حتى لو كان بياضاً .. هي قاعدة علمية صحيحة … فمن لنا ليخبرنا عن الفاضلين و قد صار الناسُ ينتحلون الفضيلة و يرتدون لباسها ، و يرتدون رداءها ؛ و كلٌ يعدُ عدتهُ ليظهر بصورتها ؛ فمن لي بالوصل في هذا الظلام إلى حبيبتي الفضيلة ؟! .
إن الدعاء إلى البر و الإحسان ، و الرحمة و الشفقة ، و العدل و الإنصاف ، و الصدق و الإخلاص ، في هذا العصر ، إنما هي حبالةٌ ينصبها الأقوياء الماكرون للضعفاء ليخدعوهم بها .
فلا يدعو الداعي إلى الكرم إلا لينقل ما في جيوب الناس إلى جيبه ، ولا إلى العفو إلا ليصيب بشرهِ من يشاء دون أن ينالهُ من الشر شيء ، ولا إلى القناعة إلا ليقلل من سوادِ المُزاحمين على أموالهِ و الطامعين فيه ، ولا إلى الصدق إلا ليتمتع وحدهُ بثمراتِ الكذب و مزاياه .
ما أجمل الفضيلة و ما أعذب مذاقها و ما أجمل العيش في ظلالها ، لولا أن شرور الأشرار و ويلاتهم قد حالت بيننا و بينها ، فرحمة الله عليها ، و واأسفاه على أيامها و عهودها .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : الحياة | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج




























سبتمبر 13th, 2009 at 13 سبتمبر 2009 9:58 م
حقيقة عشت فصول مدونتك من البداية حتى النهاية ومعك أحذت أتخيل فكرة بعد الأخرى وواقعة والتي تليها..وهذا فعلاً ما يحدث في مجتمعاتنا ..
هناك الكثير مما قلت من كذب وخداع ونفاق وظلم وذل ولكن هناك أيضا قلوب ممتلئة بالرحمة والإحسان والشفقة والتعاون والمحبة والعدل والأنصاف..
ولكن لو خليت خربت يا أخي فالدنيا والله لازالت بخير أن كان هناك فقط إنسان وأحد يفكر بأخيه نام جائع أو دون لحاف والله أنا هناك أشخاص يبحثون عن من يقدمون له الخير من مكان الى آخر كم..
أخي أصحاب الأيادي البيضاء بأيمانهم الكامن وحبهم للخير يطقون على أصحاب الأيادي السوداء الملطخة التي يسودها التسلط والغش والنهب والسلب والمصالح الشخصية..
عزيزي الكثرة لا تمثل الفوز دائما..
وأنا كانوا 10 يغلبوا 100 فقط بقوة الأيمان والفضيلة والعفة..
والله يمهل ولا يهمل..
كم من ظالم رد إلى الله خاسر فلم يفده ظلمة إلا خسارة.
وكم من عاش لذه الفضيلة فرد الى الله فائز في الدنيا والآخره…..
ومردنا جميعاً إلى الله..
تقبل مروري ووجه نظري..
أدعوك لزيارة مدونتي المتواضعة..
نوفمبر 27th, 2009 at 27 نوفمبر 2009 10:55 م
كل عام و أنت بخير صادق
عيد سعيد و ينعاد عليك بالفرح و المسرات
حاولت الرد على رسالتك هناك لكن يبدو أنك لا تفعل خدمة استقبال الرسائل
وددت أن أشكرك على كل حرف نطق به قلمك
و أعبر لك عن مدى شكري و امتناني لكلماتك الدافئة
و أشكرك أيضا أنك وضعتني على طريق مدونتك الجميلة
أتمنى لك التوفيق من كل قلبي
كن بخير ، و عيد سعيد