
غداً تشرق الشمس فينبلج الصباح عن ظلمة الليل كاشفاً عن نوره ، و زينة أشجاره ، و زقزقة عصافيره ، و نشاط حيواناته ، و تتفتح ورودٌ قد أقفلت ، و تُطفئ جميع الأنوار التي أشعلت ، لا نور من بعد نور الله .
غداً تشرق الشمس فيصحو الطفل من على جثة أمه التي فارقها بالأمس و هي تودعه آخر الكلمات ، و تنصحه و تدعو له بدعوات ، فيظل يبكي فراقها عنه ، حتى أسبل الله إليه براحة النوم ، ليفيق غداً في صبح جديد ، لعل الله يشرق له من غروب أمه شمساً لا تغرب .
غداً ينفض الجندي يداه من الرمل ، و قد فرغ منذ دقائق من دفن صديقه ، و قد بات ليله يبكي و ينحب ، فلقد فداه صديقه بالأمس بنفسه ، فأزاحه لتأتي رصاص العدو فيه ، فأصابه سهم الفراق في وجنتيه ، فظل يبكي حتى شرقت شمس الصبح ، فدفنه و هو يقول : رحلت و في رحيلك لم يشأ الله أن أموت ، إنما شاء أن أحيا ، فمرحا بشروق في شمس يومٍ جديد .
غداً تشرق الشمس عن تلك الفتاة التي خانها بالأمس حبيبها ، غير مبالٍ بقلبٍ يخفق ، و بدمع يتدفق ، و دمعٍ ينطق ، فما زالت تنحب و تناجي القمر أو بالأحرى تناجي قمرها ، حتى غاب عنها قمرها ، معلناً لها شروق شمس في يومٍ جديد ، أو بالأحرى شروق شمسها في يومها الجديد .
ما تزال تلك الأم تودع إبنها وداعاً تبكي لها أذن السماء ، و ينحب لنحيبها أذن الجوزاء ، و ترثي لها الأقلام من غير راثي ، و تشعر لها الأجساد من غير نفوس ، حتى جسد إبنها ، فارق الدنيا و قد ترقرقت من عيناه دمعة ، و هو يقول آخر الكلمات : سامحيني إمـاه سأغادر الدنيا و سأتركك و حيدة ، لا معين لك ، و لا رجل يحميكِ ، و لا ساعياً يسعى لكف الأذى عنك إن شاءت الذئاب أن تمس شرفك ، أو أن تبتلع خبزاً قد سرقتيه لتسدي جوعكِ ، إماه أستبيحك عذراً ، لا تقلقي فغداً تشرق الشمس .
ما تزال دموع ذاك الأعمى تسيل ، و لم يرى يوماً دموعه ، أو كيف هو شكلها ، غيرأنه يعرف أن في طعمها ملوحة ، و في نزولها في وسط قلبه آهات مجروحة ، لم يرى يوماً في حياته الفاتنات التي يتلهف الشبان للوصول إليهن ، و لا الورود التي يتغنون بها ، و لا العصافير الي يستمتع بزقزقتها ، إنه يشعر بدفء النار غير أنه لا يعلم شكلها ، و يخاف ظلام الليل لأنه يزيد عماه عمى ، و همه هم ، فما يرى شيئاً في دنياه غير نور الشمس ، يحس به يصطدم بعينه ، غير أنه لا يرى تلك الشمس الوضاءة ، و لكنه يعرف فضلها ، و يعلم أن بعد كل ليلة ، سوف تشرق الشمس .
ماجت الأمواج و هي تلاعب تلك السفينة ، التي رحل صيادوها ليجمعوا ما استطاعوا لأبنائهم الجوعى ، و زوجاتهن الفزعة ، اللواتي مازلن يزهبن الصحون ، لطعام اللذي سيجلبه لهن أزواجهن .
ما زالوا يقاومون الموج العاتي ، تحت جنح الليل ، ما بين برودته ، و حركة أمواجه ، حتى إذا ما أشرقت شمس الصباح هدأ الموج ، و أشرقت شمس الصباح .
ما أزال أفكر في خاطرة أكتبها في تلك الليلة ، و إذ بشمس تشرق على ورقتي من نافذة الغرفة ، فأرى بياض الورقة ، فأبدأ بتسويدها شيئاً فشيئاً حتى إذا ما فرغت ، علمت أن بعد كل ليلٍ مظلمٍ ستكون هناك إشراقة شمس تعلن أن هناك يوماً جديد ، يحمل تعبيرات السعادة ، و مفاهيم الحياة ، و سيمفونية الموسيقى الإلهية في صوت العصافير ، و إبداع التصوير في وجوه الوردات المتفتحات ، و في رقص الأشجار مع حركة الرياح ، كلٌ يغني و يرقص و يعزف ، لذلك الصباح ، و لتلك الشمس الجميلة .
كتبها صادق الحمداني في 12:24 مساءً ::
أيها الشاعر العظيم صادق الحمداني
استمر و لا تتركنا بلا كلماتك الرائعة هذه
و لا عليك أمر عليك أحد أم لم يمر
صدقني أنا أراك أفضل من كثيرون غيرك
أني أرى شاعريتك أجمل من شاعرية نزار القباني
الذي لا يترك سطراً إلا و قد كتبه عن النساء
لكنك عظيمٌ .....
الاسم: صادق الحمداني
