وقفت أمام مرآة غرفتي و رحت أناظر ذاك الوجه الشاحب المتمثل فيها ، و راحت خيالاتي تصور ذاك الوجه شيخاً كبيراً ينصحني بحكمة ، و يحدثني بموعظة :
بني دع تلك الفتاة فإن الحب الذي تحياه معها يثقلها ، للأحزان يحملها ، يرميها في الطرقات مطرقة الرأس ، تمشي و لا تدري أي طريقٍ تسلك ، و تخاف أن تتقدم فتهلك ، ما كرهتك قط يا عزيزي ، و هل لمثل حبك أن يترك ، بل علمت أنك ماضٍ بها لوهم ، أوله غم ، و آخره هم ، أي أملٍ يا صادق أنت في صدد الحديث عنه ، إنك تحلم ، و جميلٌ منها أن أتت لتوقظك من حلمك لتفيق و ترى حولك واقعك المرير ، و ترى أين أنت مما تحلم ، أنت في الأمر المطلق ، أنت في دنيا المنطق ، دعها ودع قلبها يحيى بسلام إن كنت تود لها حياةً كريمة ، تعيش فيها فرحةً سعيدةً سليمة .
و لكني يا شيخ بلاها أموت ، و مني ينقطع الصوت ، و لست بعزم أن أحيى دونها ، بلا صوتها ... بلا عيونها ... أني أحبها لو تدري ما الحب ُ ؟
لا تحدثني عن الحب يا صادق فإنني علمت منه ما يعلم المنجمون عن الذهب ، و ما يعلم النحاتون عن النحت في الحطب ، و لكني أعلم أنه ليس كل حبٍ مصيره حب ، كما أنه ليس كل ما يلمع ذهب ، حتى التمثال المتقن في النحت يحرق لو كان من حطب ، كذلك الحب لو لم يصنع من صلب الحديد ، لكسر و انمحى عمره الجديد .
يا شيخ لست أدري عما تهذي حدثني كطفل حتى أفهم :
يا بني أنت كطفلٍ كانت لديه لعبة ، و لم يكن له أي صحبة ، فأهدى تلك اللعبة كل مشاعر المحبة ، فصار لا يهنأ له مضجع إلا و قد حضنها إلى صدره حين النوم ، و تراه يحدثها بين الحين و الحين ، و يصبحها عند الصباح ، و يمسي عليها عند المساء ، حتى إذا ما لحظ أهله ذلك ، أمسكوا تلك اللعبة و خبئوها ، فادعى أنهم عنه أبعدوها ، و صار يبكي عليها كما لو أنه يبكي فقد الأحباب ، و نسى أن ما يعشق شيء هو في الأساس سراب ، أنت في خيال يا عزيزي كخيال هذا الطفل ، تمضي وراء حلمٍ أسميته أمل .
يا شيخ مالي أنا و الواقع ، كل شيءٍ فيه مواجع ، و الدهر لم يبشرني إلا بسوء طالع . لم أحيى إلا و فوق الخدود مدامع ، بيني و بين السعداء فرقٌ شاسع ، كالفرق بين ضوء القمر الخافت اللامع ، و بين الشمس ذات النور الساطع . دعني في خيالي يا شيخ دعني فلم يهون لي دنياي غير تلك اللحظات التي أخرج فيها عن هذه الدنيا إلى دنيا تخيلاتي ، أرى الحب المفقود ، و أرى الصديق الموعود ، و أرى الأبوة العظيمة ، و الأمومة الكريمة ، و أرى الأشجار المخضوضرة ، و الوردات المحمومرة ، و الياسمينات المصفوفرة ، و أرى العندليب المطرب ، و أرى البلبل المشجب ، و أرى العالم متحاب ، كلهم أصحاب ، لا يبغي قويٌ على ضعيف ، و لا يحسد فقيرٌ غني ، و لا يغتب أحدٌ الآخر ، و لا يبطنون ما يخالف المظاهر ، أرى العالم و قد أمسى الناس كرماء شرفاء ، نجباء نبلاء لا شقاءٌ لا بلاء ... دعني يا شيخ فلولا خيالي لما كنت أنت في مرآتي تنصحني ...
أبتسم لي الشيخ و قال : ها أنت تعترف أني خيال .. و أعترافك خروجٌ عن واقع .
بني عش واقعك بروحٍ باسمة ، و انهض و انزع عنك الآهات المتألمة ، و ارقد بسلام ، فستتغير الأيام ، ما كان أمسٌ كغد ، و ليس اليوم كبعد غد ، فعش يومك و انتظر غدك بنفس صابرة ، بروح مغامرة ، و لا تتكأ على غيرك ، فلست عجوزاً يحتاج لعصى يتكأ عليها ، و تذكر العصى معرضة للكسر ، إن إتكأت عليها عُمر ، فلا تكن العجوز و لا تكن العصى ، كن العظيم فوق المنصة ، كن عظيم الناس إن استطعت و إن لم تستطع فكن عظيم نفسك ، كن القائد الذي تعترك الجيوش حوله من بين ذائد عنه و عاد عليه ، و لا تكن الجندي الذي يسفك دمه ليسقي به دوحة العظمة التي ينعم في ظلالها القائد العظيم .
كن الناطق الذي تحمل الريح صوته إلى مشارق الأرض و مغاربها ، و لا تكن الريح التي تختلف إلى آذان الناس بأصوات الناطقين من حيث لا يهتمون لها ، و لا يعرفون لها يدها .
كن النبتة النضرة التي تعتلج ذرات الأرض في سبيل نضرتها و نمائها ، و لا تكن الذرة التي تطؤها الأقدام و تدوسها الحوافر و الأخفاف .
كن زعيم الناس إن استطعت ، فإن لم تستطع فكن زعيم نفسك
أنت كالطائر السجين في قفصه ، فمزق عن نفسك هذا السجن الذي يحيط بك ، و طر بجناحيك في أجواء هذا العالم المنبسط الفسيح ، و تنقل ما شئت في جنباته و أفنانه ، و اهتف بأغاريدك الجميلة فوق قمم جباله ، و رؤوس أشجاره ، و طفاف أنهاره ، فأنت لم تخلق للسجن و القيد ، بل للهتاف و التغريد
و لكن .... و لكن ...
قاطعني الشيخ و راح يكمل
و ما نيل المطالب بتمني ، و لكن تأخذ الدنيا غلابا ، و نعيش بشراً حتى لو كنا في غابة ، نموت و نحيا و تبقى الروح ، مهما كانت تتألم أو تنوح ، نصيح ، نبكي ، نتألم ، و في نهاية المطاف نعلم ان الدموع لا تبني سعادة ،
و أن موضع الدموع فوق الوسادة ، سيمنعك يوماً من أن تنام ، فنم يا صادق أهل أمسى النوم حرام ؟! .
هي الحياة شئنا أم أبينا ، أبينا أم أبينا ، شئنا أم شئنا ، و أنا أختار الأخيرة حتى لو كانت مريرة.
هي الحياة من سكرها و ملحها ، من يابسها و طريها ، من سم و عذب ، من حجر و قلب .
هي الحياة حيث تتناثر فيها الأحجار ، و لكن لنا قدم تتخطى الأخطار .
لنا روح في الجسد ، إن بكت فلها حبلٌ من مسد ، و إن سعدت من بعد دموع ، فالأحلى من بعد الحزن هو الرجوع .
الجوع لا يرويه عطش ، و العطش لا يروي الجوع ، و الدموع لا تصنع سعادة ، و السعادة لا تصنع دموع .
استيقظت من خيالاتي ، و ضغط على أرقام هاتفي ناشداً رقم صديقي ... أتاني صوته المثقل ، فرددته بصوت كله أمل ، كله تراكيبُ مرح ، و مضمونه فرح ، و طلبت منه المجيء لكي نخرج في هذه الدنيا و نسرح ، لعل الله لقلبي المهموم يشرح ، و حينما انتهت المكالمة ، قلت : نعم .. يجب أن أخرج .... يجب أن أخرج من خيالي و على أرض الواقع بنفسي أطرح .
كتبها صادق الحمداني في 11:22 صباحاً ::
الاسم: صادق الحمداني
