لا أزالُ أصحو كل يومٍ فألتفتُ حولي يمنةً و يسرى ؛ إلى الغربِ تارة و إلى الشرقِ تارة ؛ لعل عيني تقعُ على فضيلةٍ هنا أو هناك ؛ فيبتسمُ قلبي و تسعدُ روحي سعادة الغواص باللؤلؤة الموجودةِ في جوف المحيط ؛ فزوايا الدنيا صارت رذيلة .. كل زاويةٍ تحوي رذيلةً غير الأخرى ؛ رذيلةٌ في رذيلة ؛ و العينُ لم تعد ترى أي مناظرٍ جميلة .
و بحثتُ الفضيلة في كل مكانٍ يُعتقد أنها موجودةٌ فيه ؛ فما أثمر البحث عن شيء ؛ فويح نفسي إن لم أجدها في أماكنها و منازلها فبأي الأماكن أجدها ؟ ، و بأي الدور ألقاها ؟ ؛ أفي الحانات و أماكن الشرب و الفسق ؟! ، أم ما بين السجون ؟! .
بحثتُ الفضيلة ما بين الأغنياء علني أجدها ، فوجدتُ طماعاً لا يشبع ؛ يتمنى الألف فإن أتاهُ الألف تمنى ألفان ؛ و لا يأتيهُ الألفان إلا و تمنى أربع ، و لا أحسبهُ يقنعُ أو يشبع ؛ فحالهُ كمثل من أصابتهُ دودةٌ في بطنه تأكلُ منهُ كل ما يأكل ، فلا هو آكلٌ شابع و لا هو ساعدٌ قانع ؛ و رأيتُ آخراً متلافاً يشتري كل ما لا يلزمه ؛ و يبعثرُ الأموال في الحانات على تلك و هاتيك ؛ و يصبُ الأوراق النقدية كالأمطار على الراقصات .
بحثتُ الفضيلة ما بين القصور الشماخ فلم أرى غير رجلٍ يقفُ في شرفة القصر يُمتعُ نظرهُ برؤية الفلاح يفلحُ أرضه ، و المزارع يسقي شجره ؛ و كأنما هو يشاهدُ مسرحاً تمثيلياً لا منظراً حياً .
و ما بين العمال رأيتُ عجوزاً … يضربُ الفأس في الأرض مرة و يمسحُ العرق من جبينهِ مرة ؛ و إذا ما مر بهِ ابنُ ربِّ عملهِ ارتجف خوفاً مخافة أن يمد اليد لهُ متسخةً فيعاقب ، و مخافة أن لا يمدها خوفاً فيعاتب .
بحثتُ الفضيلة ما بين التجار فلم أرى غير مرتشٍ و راش ؛ و مغشوشٍ و غشاش ؛ و رجلٌ يبيعُ السلعة بسعر الألماس و هي بسعر النحاس ؛ و رأيتُ الغني منهم جمع المال حراماً ، و الفقير منهم جمع المال حلالا ؛ و ترى أغنى الأغنياء جمعوا المال في ثلاث … أحدهم بنساء و آخر بسم الأبيض و آخر بسلاح .
بحثتُ الفضيلة في أكواخ الفقراء ، فرأيتُ المنافق و الحاسد ، و المتملق و الحاقد ؛ و رأيتُ المتمصلح لا يهمهُ أن يبيع ضميرهُ و ذمتهُ و شرفه في سبيل أن ينال لقمة عيشه ، و لو أنهُ علم أن أسفل حذاءِ غنيٍ درهم لقبل القدم لتنزاح عن الدرهم ؛ و رأيتُ المتملق يتلون بألوانٍ عدة ، فإن لزم الأمرُ أن يكون كلباً كان ، و إن لزم أن يكون ذئباً كان … في سبيل أن يبلغ منزلة الود في قلب الأمير .
بحثتُ الفضيلة ما بين الأصحاب ، فرأيتُ الغيبة و النميمة ؛ و رأيتُ الصاحب يبيعُ صاحبهُ من أجل المصالح ؛ و رأيتُ تعاون الصديق مع الصديق على الصديق ؛ و رأيتُ الغني لا يصاحبُ إلا الغني و إن صاحبهُ فما صاحبهُ إلا ليذلهُ و
























